المنتخب من التفسير -الحلقة 233- سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 

– الحلقة (233)

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء:37-40].

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)([1]) ربطُ الآية بما قبلها؛ أنه بعد أن بَيَّن الله تعالى أنّ مِن أوصاف المؤمنين الإحسان إلى القرابة، ومَن عُطف عليهم من الجيران، والأصحابِ، والضعفاءِ، بَيَّن أخلاقَ مَن ضدهم، مَن لا يحبهم الله، وهم المتكبرون، الذين يمنعون أموالهم، ويبخلونَ بها، ويأمرونَ غيرهم بالبخلِ، مما كان بعضُ اليهودِ يفعلونهُ مع الأنصارِ في المدينة، يتظاهرونَ لهم بالنصح، ويبطنونَ الغشّ، يقولون لهم: لا تُنفِقُوا، فإننا نخشَى عليكم الفقر، وهم بذلك يكتمونَ ما آتاهم الله مِن فضله، يكتمونَ نِعمَ الله عليهم، فيخفونَها، ولا يَذكرونها، ولا يؤدُّون شكرَها، وإخفاءُ النعم جحودٌ لها، وكفرانٌ بها.

(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) يجوزُ حمله على ظاهره، في كفر اليهود الذين يبخلون، ويأمرونَ الناس بالبخل، وكفر المشركين، وهذا هو الظاهر من لفظ الكفر في قوله (لِلْكَافِرِينَ)، ومِن (أَعْتَدْنَا) بمعنى أعددْنا وهيأْنا، وضميرِ التعظيمِ المتصلِ بالفعل، فإنه للتهويل، وينذرُ بعذابٍ عظيم؛ لأنّ عذابَ العظيم عظيمٌ، ويصحُّ حمله على كفر النعمة، فالعذابُ المتوعدُ به يَعُمُّ الكافرين، ويعمُّ العصاة.

(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) هذا قسمٌ آخر، مقابلٌ للذين فرطوا وبخلوا بأموالهم، وأمروا الناس بالبخل، فالأولون فرطوا في الإنفاق ومنعوه، وهؤلاء أفرطوا وأسرفوا، ينفقونَ، ولكنّهم ينفقون رياءً، وهم المشركون الذين لا يؤمنونَ بالله ولا باليوم الآخر، فضيعوا الأموال، ووضعوها في غير موضعها، بما يذهبُها ولا يعود عليهم منها شيء، وجملة (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ) مبتدأ خبره محذوف، دل عليه قوله (وَمَنْ يَّكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) تقديره: الذين ينفقون أموالهم رياءً قرينُهم الشيطان، وبئس القرين الشيطان (فَسَاءَ) بمعنى بئس، من أفعال الذم، والمخصوص بالذم قرينُ الشيطان.

(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) (مَا) استفهامية، و(ذَا) اسمٌ موصول، والمعنى: ما الذي يقع عليهم مِن ضرر لو أنهم آمنوا؟ أو أن (مَاذَا) كلمة واحدة، بمعنى: أي شيء يضرهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر؟ وفُهم الضرر من حرف الجر (عَلَيْهم)؛ لأنه يأتي لما يَشُق ويثقل، بخلاف اللام، قال تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)([2])، والاستفهامُ في (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) للتقريع والتوبيخ على إعراضهم، وجهلهم بالأخذِ بما ينفعهم، ولا ضررَ عليهم فيه، وهذا أسلوبٌ غاية في البيان والإقناع، فإنهم يعلمونَ أنه لا ضرر عليهم من الإيمان، والعاقل عادةً لا يترك ما ينفعه، ويعلمُ أن فعله لا يضره، وأُتبع التوبيخ على ترك الإيمان بذمٍّ آخر على البخل وعدم الإنفاق في قوله (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) أي ماذا عليهم من ضرر لو أنفقوا مما رزقهم الله، وخلصوا أنفسَهم مِن مذمةِ البُخل؟!

فالتقريعُ على الإعراض عن الإيمان عائدٌ على الفريق الثاني، الذين ينفقون أموالهم رياءً، ولا يؤمنون، والتقريعُ الذي يليهِ على عدم الإنفاق مما رزقهم الله، عائدٌ على الفريق الأول، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا) فيوفي كلَّ فريقٍ بما يستحق.

(إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الظلم: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان، أو بزيادة، أو بعدول عن وقته أو مكانه، ومثقال: من الثقل الذي يوزنُ به، ولذا جاء على وزن اسم الآلة مِفْعَال، كمِذْيَاع ومِثْقَاب، والذَّرَّة: أصغرُ شيء يوزن، كجزيءِ الغبار المتطاير، ونصب مثقال على نائب المصدر، أي: لا يظلم ظلم مقدار ذرة، ونفيُ ظلمِ مثقالِ الذرةِ، يقتضي نفيَ ظلمِ ما كان فوقها بالأولى (وَإِن تَكُ حَسَنَةً) تَكُ مِن (كَانَ) وأُنّثتْ مع عودِهَا على مثقال؛ لأنهُ جزءٌ من المضاف إليه (ذَرَّةٍ) فاكتسبَ منه التأنيث، كما في قول القائل:

كمَا شَرِقَت صدرُ القناةِ من الدمِ([3])

أو على تأويل المثقال بالزنة، وأصل تَكُ مع (إنْ) الجازمة (تَكُنْ) حذفت نونها تخفيفًا؛ تشبيهًا لها بحرف العلة (يُضَاعِفْهَا) من التضعيف، ومعناه في اللغة: زيادة المثل، كما قال تعالى: (يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ)([4])، ويكونُ التضعيفُ للحسناتِ بأكثر من ذلك، فالله يعطي على الحسنة عشرَ أمثالها، ويضاعفها إلى السبعمائة، وإلى ما هو أكثر (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) زيادة على ما يستحقه العامل بعمله، فإحسانه – سبحانه – لا يقتصر على نفي الظلم، وتنزهه عنه بنقص أجر العاملين، بل إنه يضاعفُ لعباده أجرَ الحسنات، ويزيدهم على هذا التضعيف زيادةً أخرى مِن لدنه، ولدنه وعنده بمعنى واحدٍ، إلا أنّ لدَى أشدُّ في القربِ من عند، فلا تقول: لديَّ مالٌ إلا إذا كان حاضرًا، بخلاف: عندِي مالٌ.

[1]) (الّذينَ يَبخَلُون) بدلٌ من قوله في الآية السابقة (مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) بدل كلٍّ مِن كلّ، أو مبتدأ خبره محذوف، دلّ عليه سياق الكلام، تقديره: الذينَ يبخلونَ مبغَضُون، أو متوعَّدون بالعذابِ واللومِ.

[2]) البقرة: 286.

[3]) هذا عجز بيت من الطويل، للأعشى ميمون بن قيس، وفيه يقول:

وتَشرَقَ بالقولِ الذي قد أذعتَهُ       كما شَرِقَت صدرُ القناةِ من الدمِ

[4]) الأحزاب: 30.

التبويبات الأساسية