كلمة إلى المسلمين في عيد الفطر

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يفوتني أن أتوجه في هذه المناسبة إلى الأمة الليبية والأمة الإسلامية بكلمة أبدؤها أولا بالتضرع إلى الله تبارك وتعالى في عُلاه أن يؤلف بين قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الحق ونصرته ونصرة المظلومين، وأن يجعلهم يدا واحدة على من سواهم، متآخين متناصرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه يخاطب الأمة بقوله: (لاتباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه)، وفي رواية عند مسلم: (لا يخذله ولا يحقره).
ومعنى لا تدابروا: لا يُقاطع بعضُكم بعضا ويُوَلِّي كلُّ واحد ظهره للآخر، ومن باب أَوْلى النهي عن محاصرته والتضييق عليه.
ومعنى لا يُسلمه: لا يتخلى عن نصرته ويتركه وحده لعدوه ينفرد به، كما ترك المسلمون اليوم أهل فلسطين لعدوهم يغدر ويبطش بهم، ومن يناصرهم أو يقف معهم يُصنف بأنه داعم للإرهاب، يؤلبون عليه الأمم، ويُشيطن لتسقط حرمته.
ومعنى لايحقره: لا يستصغره ويستضعفه لأنه أقوى منه، بل عليه أن يبذل المال والنفس لنصرته.
هذا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

ثانيا - أدعوهم ألا ينزلقوا إلى مكائد أعداء الإسلام بزرع الفتن وتعميق العداوات والكراهية بين المسلمين، وجرهم إلى مزيد من التقاتل والحروب.
فإن ما وقع من الحروب إلى حد الآن بين المسلمين - التي جرهم إليها تدخّل أعدائهم - كاف في تخلفهم عن الركب لعشرات السنين، فلا تحتاج الأمة إلى مزيد من إشعال الحروب.

ثالثا - إننا نرى اليوم أعداء الإسلام يأخذون أموال أهل الإسلام بكل سهولة وأريحية، يتقوون بها علينا، ويُصَدِّرون لنا بها السلاح ليقتل بعضُنا بعضا، وإن تعجب فالعجب أننا نتنافس في السعي إليهم ليتدخلوا بالوساطة ليُصلحوا بيننا، والله أمرنا أن نتولاها بأنفسنا فقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)، وقد جربنا عاقبة تدخلهم في بلادنا في العراق وسوريا واليمن، وما انتهى إليه حال هذه الدول.
وما يجري الآن في ليبيا من الفرقة والانقسام والقهر والذل وسفك الدماء، ومِن مَدّ بعض الأطراف بالسلاح والمرتزقة لتدمير مدننا وقطع أرزاقنا واستباحة حرماتنا إلا بعض من آثار تدخلهم، قال تعالى: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).

رابعا - إن ما يُنفق من أموال المسلمين على إعلام الكذب والفتنة، وتضليل الناس، وتغييب العقول، لا يَقِل إثما وخطيئة على المال الذي يُدفع في قتلهم بالسلاح، إن لم يكن أشد، لأن السلاح يقتل الناس أفرادا أو مجزئين، والإعلام المضلِّل هو قتل جماعيٌ للأمم، يقتل العقول ويطمس على القلوب، يجعلها لا تفيق من السكرة ولا تنتبه من الغفلة، وسأعطيكم على ذلك مثالين:
الأول، في بلادنا الطوابيرُ الطويلة التي تمسي وتصبح في الطرقات أمام المصارف لأيام عديدة نراها تحت حر الشمس والمذلة ترى الويلات، ولو سألت بعضهم عن حاله وهو في هذه الغمرة لأجابك حانقا مُغضَبا - لا يسب الثورة فقط! - بل يسب لك كل شيء حتى ما يستوجب كفره! يسب الدين ويسب الجلالة، إلا بعثة الأمم المتحدة وحكومتها ومؤسساتها المالية، التي هي السبب المباشر لما هو فيه من المحنة، وهي التي تدير المصارف وبيدها المال، فإنها لا تخطر بباله!!
هل تعلمون لماذا؟
لأن الإعلام المضلِّل غَيَّب عقله، فلم يعد يَعرفُ معروفا، ولا ينكر منكرا!!

مثال آخر: لإنهاء الاقتتال في ليبيا، دعت دار الإفتاء الليبيين إلى أن يجتمعوا على مبادرة (المبادرة الوطنية للحل السياسي) التي اختارتها لجنة إدارة الحو ار الليبي الليبي من مجموع المبادرات المقدمة إليها، وتقضي بأن تخرج جميع الأطراف المتنازعة من المشهد، ويتولى حكم البلاد جسم تشريعي جديد يتكون أعضاؤه من أكثر المرشحين أصواتا في الانتخابات الماضية لكل من المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب، مناصفة بينهما، ورغم أن مجلس البحوث دعى إلى هذه المبادرة بقوة، حَقْنا للدماء، وإنهاءً للانقسام، ولما فيها من الحيادية وتساوي الفرص بين أطراف النزاع، فإن من غَيَّب الإعلامُ عقولهم لا يزالون يُصِرون في مختلف وسائل الإعلام والتواصل على أن دار الإفتاء هي التي تدعو إلى القتل في ليبيا!!
فإلى الله المشتكى!

خامسا - لِيَحْذر المسلمون دِولا وأفرادا موالاةَ غير المسلمين على المسلمين، إرضاء لأعدائهم، ومما نراه من ذلك واضحا هذه الأيام؛ التفريطُ في قضية فلسطين، والتضييقُ على القائمين عليها وعلى الداعمين لها، واتهامهم بتهمة (الإرهاب) التي صُنعت للكيد بأهل الإسلام، وتولى كبرها حكامُ المسلمين استرضاءً لأعدائهم.
ومما يدخل في الموالاة كذلك التضييقُ على العلماء، وإيداعهم السجون، وملاحقتهم ولوكانوا خارج بلدانهم، ووضعهم في قوائم (الإرهاب) الكيدي، ولا عجب! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء)، وقد كانت اليهود تقتل الأنبياء، وهم الآن من يحرضون على العلماء!
ولا يخفى على أحد أن موالاة غير المسلمين على المسلمين من نواقض الإيمان، قال الله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
غرة شوال 1438 هـ
الموافق 25 يونيو 2017 م

التبويبات الأساسية