قناة التناصح ... شمعة على الطريق

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

شمعة أضيئت بعد انقطاع موحش طال ليله، وبعد ظمأ ولهفة، انقطاع حيل فيه بين طلاب العلم في بلادنا وبين تعلم العلوم الشرعية وتلقيها بالطرق المعروفة؛ في المعاهد والكليات المتخصصة، وحلق العلم في المساجد، وقراءة الكتب على الشيوخ، التي عز وجودها في أيامنا، والتي كانت ولا تزال هي الوسيلة المثلى لتكوين وإعداد العلماء.

فرحنا بظهور قناة جعلت ضمن برامجها العملَ على إحياء هذه السنة الحميدة، التي حُرمنا منها على مدى عقود، وصرنا نرى من خلالها ما يحبب إلينا علماءَ هذا البلد وأعلامَه وفقهاءَه، وتُظهر لنا في مقابلاتها معهم (بين يدي العلماء) سَمْتهم ونَهْجهم في التربية، وفي ترسيخَ الوسطية، والتدرجَ والنضجَ العلميَّ الذي تأسسوا عليه، ليعود للمجتمع الليبي ما كان عليه من الاستقرار والتناغم الذي حباه الله تعالى به قبل أن تَحِلّ به التيارات الوافدة.

أعادت لنا القناة حِلَق الدروس في (الكراسي العلمية)، وعرفتنا بعلمائنا ليتبوؤوا مكانتهم الرفيعة التي أُقْصوا عنها هذه السنين الطويلة، حتى جهل الناس أقدارهم، وتَنَكّروا لهم، وأَدْخلوا في عقول الناشئة أن ليبيا ليس بها علماء! ففقدت البلد بذلك المرجعيةَ الشرعية، ووقع الناسُ في الحَيْرة المذهبية، فحُرمنا الاستقرار المستفادَ من المذهب الفقهي الواحد، الذي هو الأساسُ للاستقرار السياسي والأمني.

ما تبذله القناة في الاعتناء والتعريف بعلماء المذهب الفقهي السائد في البلد، الذي بنيت عليه أعرافُها وعقودُها وأحكامُ قُضاتها منذ مئات السنين، عملٌ ينبغي أن يُقَدَّر ويُعانَ عليه، لأنه تأسيس للمرجعية التي تحمي الوطن في المستقبل من التيارات المتطرفة، كما حمته في الماضي.
لقد شهد الناس في ظل المذهب وفقهائه استقرارا وانسجاما وبُعدا عن التكلف والتنطع والتطرف.

بدأت القناة بخُطًى جادةٍ ملموسةٍ تؤسس لهذا العمل الكبير، تُرغبُ العلماءَ في المشاركة في البرامج النافعة، والفتاوى المعاصرة، والدروس القيّمة، وفي فتح مواقعَ الكترونية لهم للتواصل مع عامة الناس وطلاب العلم.

فهي القناة الوحيدة التي يرى فيها المشاهدُ الدروسَ المنهجيةَ يوميا على مدار الأسبوع لإقراء كتب التراث.
علماءُ لم يعرف النَّاسُ قدرَهم في الماضي، يُقرِئون بكفاية وتَمكُّن الطلابَ علوم الكتاب والسنة، والفقه المالكي، واللغة ... يقرئونهم تفسير القرآن الكريم، وصحيح مسلم، والموطأ، ومختصر خليل، والرسالة، وعلوم الحديث، والشاطبية في علم القراءات، وعلم النحو، وشفاء القاضي عياض في السيرة العطرة.

ولعلها أيضا القناة الوحيدة عندنا التي بها برامج فتوى ثابتة في عدد من أيام الأسبوع، يجيب فيها العلماء عن أسئلة المشاهدين.

هي القناة التي يستطيع المسلمُ أن يشاهدها وهو مطمئنٌ دون أن يرى ما يخدش حياءه، أو يضطره إلى طمس ما لا يريد سماعه، فالرقابة الشرعية بالقناة لا تسمح بنشر شيء قبل عرضه على معاييرها الشرعية.

وأخيرا، إن كان بها عيب، فهو أنها قناة منحازة إلى ثوابت الثورة المباركة انحيازا كاملا لاتردد فيه، تحرص على نقل أحداثها حية ساخنة، وتتحمل في ذلك الصعابَ والأعباءَ، دون ملل ولا كلل.

هي شمعة على الطريق، فلا تعملوا على إطفائها يا مَن الظَّنُّ بكم أن تضيفوا إليها أخرى!

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
20 ربيع الأول 1437 هـ
الموافق 2015/12/31

التبويبات الأساسية