مصاب جلل

 بسم الله الرحمن الرحيم

مصاب جلل

مُصابٌ جلل، وفَواجعُ مروعة، (إِنّا للهِ وإنّا إِليهِ راجِعونَ).
ما يقربُ مِن أربعينَ مِن أبناءِ بنغازي الأبرياء، وُجِدُوا في الأغلالِ مُكبّلينَ، مقتولِينَ عدوانًا وظلمًا، سَفكَت دماءَهُم أيْدٍ مِن ورائِها دولٌ حاقدةٌ على ليبيا، لا تُريدُ لها أمنًا ولا استقرارًا.
ثمّ لم يمضِ يومٌ أو يومانِ، حتّى أُصبنَا بعدوانٍ آخرَ، مِن قصفٍ جوّيٍّ مُروع غادر، استهدفَ أُسرًا آمنةً في مدينةِ دَرنة، فتحوَّلت هذهِ الأُسر - أطفالًا ونساءً ورجالًا - في طرفةِ عينٍ إلَى أشلاء ممزقةٍ، وصارتْ أثرًا بعدَ عينٍ.
أتقدمُ بخالصِ العزاءِ إلَى أهالِي المُصابين فِي بنغازي وفي درنة.
أسألُ اللهَ أن يثيبَهم في مُصابِهم، ويخففَ أحزانَهم، وأنْ يرحمَ الموتَى، ويتقبلَهم في عِليين، ويشفيَ جرحاهُم؛ آمين.
علينا أن نعرفَ؛ أنّ ما حصلَ لدرنة يمكنُ أن يحصلَ لأسرٍ ليبية في أيّ مدينةٍ أخرى، وأنّ الهدفَ مِن هذه السياسة المتبعةِ لدينا، في جانبها العسكري والأمنيّ، القائمة على الخطفِ والقتلِ والتعذيبِ، وارتكابِ الجرائمِ بطرقٍ وحشيةٍ مروعةٍ، وأحيانًا جماعية، بلا شفقةٍ ولا رحمةٍ.
والقائمةِ في الجانب المعيشي على التضييق على الناسِ في عيشهِم، مِن غلاءِ الأسعارِ، وارتفاعِ الدولارِ، وغيابِ السيولة، وانقطاعِ الخدماتِ.  
هذه السياسةُ يقيني أنه مخطط لها، ومُستهدَفة في مشروعِ الصخيراتِ، وتراتيبِهِ الأمنية غيرِ المُعلَنة، رُتّبت على هذا النحوِ لسببينِ:
الأولُ
: القضاءُ على الثورةِ، حتّى لا تصلَ هزاتها إلى فلسطين المحتلة .
والثاني: لإرهابِ الناسِ وتكميمِ الأفواه، وقتلِ الإرادة وروحِ المقاومةِ، والمطالبة بالحقوقِ والحريات؛ لأنه إذا رأى الناسُ هذه المشاهدَ الدمويةَ، انْكفأَ كلُّ  أحد على نفسهِ، وطلبَ لها السلامةَ، وبذلكَ يستتبُّ الاستبدادُ والقمعُ والفسادُ، وتعودُ الدكتاتوريةُ وحكمُ الفردِ الغَشوم، إلى سالفِ عهدهِ في أبشعِ صُوره؛ عداءٌ للدينِ والقيم والأخلاقِ، ولِكلِّ ما هوَ عقلانيٌّ ومنطقيٌّ، كما كانَ في السبعينيات والثمانينيات، من القرن الماضي، عندما لم يكنْ أحدٌ في الجامعةِ مِن أقصاها إلى أقصاها، مِن رئيسها إلى طُلابها،  يجرأ أنْ ينطقَ بكلمةِ (دِراسَات إسلامية) مجردَ نطقٍ، فضلًا عن أنْ يدرُسَها أو يُدرِّسَها.
فكلُّ مَن باركُوا مشروعَ الصخيرات، ولا زالوا متشبثين به، بعد أن رأوا كوارثَه على وطنِهم، هم مسؤولونَ على ما يجرِي، وعلى ما ستؤول إليه البلاد.
ماذا يُجدي الاكتفاءُ ببيانات الاستنكارِ منهم أو من غيرهم  على جرائمَ تتفرخ كلّ يومٍ، مع التشبث بالجهازِ الذي يُفرّخُها، والمحافظةِ عليه ودعمِه.
صارَ الاستنكارُ عديمَ الجدوى، حتى الجهة المسؤولة على الجريمةِ والقتلِ مسؤولية مباشرةً، صارتْ تُصدرُ بياناتِ إدانةٍ واستنكارٍ، ويقولونَ: أَمرنا بفتحِ تحقيقٍ، وعلينا أن ننتظرَ النتائجَ، هذا الكلامُ – للأسفِ - يقوله مسؤولون، نكذبُ على أنفسِنا ونصدقُ الكذبَ، شيءٌ مضحك ! تحقيق!... تحقيقٌ ضدّ مَن؟!
هل المحققُ سيحقق مع نفسِه؟! البرلمان  يطلب التحقيق، وهو من أصدرَ في وقت سابق اتفاقياتٍ بإعطاءِ الحقّ لمصر بالتدخلِ العسكريّ، الجوّي والبرّي في ليبيا،  وأن تجوس خلال الديار دون حسيب أو رقيب، هل فعلا هو سيحقق ؟ ! .  
وحفتر الذي يحاصرُ درنة مِن شهورٍ طويلةٍ، مدينة كاملة بما فيها، مِن مرضَى وصغار ونساء وعجزة، على مرأَى ومسمعٍ مِن العالم، وقال بمِلءِ فِيه: نحنُ مع مصر حتّى لو عملتْ ضدّ مصلحةِ ليبيا، هو أيضًا قد يطلبُ التحقيقَ في قصفِ درنة، ويسترجعُ عليها ويستنكرُ !
تصريحاتُ المسؤولين في المنطقة الغربيةِ؛ كان أعلَى سقفٍ تطمحُ إليه أنْ يقدِّمُوا شكوى لمجلسِ الأمنِ، ولعلهم لم يُفلحُوا إلى حدِّ الآن، في جعلِ الخارجيةِ تفعلُ ذلكَ ! بربِّكم لو كان أعضاءُ مجلسِ الأمن صادقينَ، في عدم رضاهُم عمّا قامت به مصر، أو يقوم به حفتر، هل يجرؤُ واحدٌ منهم أنْ يحركَ ساكنًا ؟!
إذا كنّا ننتظرُ من بياناتِ الاستنكارِ والأمر بالتحقيقاتِ جدوى تردعُ المجرمين، فإننَا نضحكُ على عقولنا، كم صدرتْ مِن أوامر بالتحقيقِ في الجرائم ؟ طُويت كلُّها، كلّ جريمة تُنسينا ما قبلَها.
الحلّ في أيدي الليبيين، عليهم أنْ يتخلّصوا مِن السلبيةِ والفُرقة، ويخرُجُوا إلى الميادين بالآلاف، للتنديدِ بالجرائمِ وبالمجرمين، ويُسمِعوا العالمَ صوتهم، ويطالبوا بقوةٍ بعودةِ الأمرِ إلى ما كان عليه قبلَ الصخيراتِ، التي أرتهُم الويلاتِ ولا تزالُ.
الحلّ هو المطالبةُ بالعودةِ إلى المؤتمر الوطني العام، صاحبِ الشرعيةِ بحكم المحكمةِ، لجمعِ الكلمة عليه، في ظلّ خارطةِ طريقٍ واضحةٍ، يسلِّم فيها السلطة لجهةٍ مؤتمنَة على البلدِ، والكفّ عن هذه المهزلةِ، المعدةِ في نهايةِ المطاف لتنصيبِ حفتر على ليبيا.        
 
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
13 صفر 1439 هـ
2 نوفمبر 2017 م

التبويبات الأساسية